ابن كثير
381
البداية والنهاية
وقد ساق ابن عساكر شيئا حسنا من كلامه في مواعظه البليغة ، فمن ذلك قوله : والله لكفى به ذنبا أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها ، زاهدكم راغب ، وعالمكم جاهل ، ومجتهدكم مقصر . وقال أيضا : أخ لك كلما لقيك ذكرك بنصيبك من الله ، وأخبرك بعيب فيك ، أحب إليك ، وخير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا . وقال أيضا : لا تكن وليا لله في العلانية وعدوه في السر ولا تكن عدو إبليس والنفس والشهوات في العلانية وصديقهم في السر ، ولا تكن ذا وجهين وذا لسانين فتظهر للناس أنك تخشى الله ليحمدوك وقلبك فاجر . وقال أيضا : أيها الناس إنكم لم تخلقوا للفناء وإنما خلقتم للبقاء ، ولكنكم تنتقلون من دار إلى دار ، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام ، ومن الأرحام إلى الدنيا ، ومن الدنيا إلى القبور ، ومن القبور إلى الموقف ، ومن الموقف إلى الجنة والنار . وقال أيضا : عباد الرحمن : إنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال ، وفي دار زوال إلى دار مقام ، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود ، فمن لم يعمل على يقين فلا تنفعن ، عباد الرحمن لو قد غفرت خطاياكم الماضية لكان فيما تستقبلون لكم شغلا ، ولو عملتم بما تعلمون لكان لكم مقتدا وملتجأ ، عباد الرحمن أماما وكلتم به فتضيعونه ، وأما ما تكفل الله لكم به فتطلبونه ، ما هكذا نعت الله عباده الموقنين ، أذوو عقول في الدنيا وبله في الآخرة ، وعمي عما خلقتم له بصراء في أمر الدنيا ؟ فكما ترجون رحمة الله بما تؤدون من طاعته ، فكذلك اشفقوا من عذابه بما تنتهكون من معاصيه ، عباد الرحمن ! هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من أعمالكم قد تقبل منكم ؟ أو شيئا من خطاياكم قد غفر لكم ؟ ( أم حسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ) [ المؤمنون : 116 ] والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم ما فرض عليكم . أترغبون في طاعة الله لدار معمورة بالآفات ؟ ولا ترغبون وتنافسون في جنة أكلها دائم وظلها ، وعرضها عرض الأرض والسماوات ( تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار ) [ الرعد : 35 ] وقال أيضا : الذكر ذكران ذكر الله باللسان حسن جميل ، وذكر الله عندما أحل وحرم أفضل . عباد الرحمن يقال لاحدنا : تحب أن تموت ؟ فيقول : لا ! فيقال له : لم ؟ فيقول : حتى أعمل ، فيقال له : اعمل ، فيقول سوف أعمل ، فلا تحب أن تموت ، ولا تحب أن تعمل ، وأحب شئ إليه يحب أن يؤخر عمل الله ، ولا يحب أن يؤخر الله عنه عرض دنياه . عباد الرحمن إن العبد ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله وقد أضاع ما سواها ، فما يزال يمنيه الشيطان ويزين له حتى ما يرى شيئا دون الجنة ، مع إقامته على معاصي الله . عباد الرحمن قبل أن تعملوا أعمالكم فانظروا ماذا تريدون بها ، فإن كانت خالصة فامضوها وإن كانت لغير الله فلا تشقوا على أنفسكم ، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ، فإنه قال ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ) [ فاطر : 10 ] وقال أيضا : إن الله ليس إلى عذابكم بالسريع ، يقبل المقبل ويدعو المدبر ، وقال أيضا : إذا رأيت الرجل متحرجا لحوحا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته . وقال الأوزاعي : خرج الناس بدمشق يستسقون فقام بهم بلال بن سعد فقال : يا معشر من حضر ! ألستم مقرين بالإساءة ؟ قالوا : نعم ، فقال : اللهم